محمد بن جرير الطبري
56
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يقول : غير متعرض لإثم : أي يبتغي فيه شهوة ، أو يعتدي في أكله الاضطرار . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم ، ولا جراءة عليه الاضطرار . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفي هذا الكلام متروك اكتفي بدلالة ما ذكر عليه منه ، وذلك أن معنى الكلام : فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية ، غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فأكله ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فترك ذكر : " فأكله " . وذكر : " له " ، لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما . وأما قوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن معناه : فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله في مخمصة ، غير متجانف لإثم ، غفور رحيم ، يقول : يستر له عن أكله ما أكل من ذلك بعفوه عن مؤاخذته إياه ، وصفحه عنه ، وعن عقوبته عليه رَحِيمٌ يقول : وهو به رفيق ، من رحمته ورفقه به ، أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية ، في حال خوفه على نفسه ، من كلب الجوع " وضر الحاجة العارضة ببدنه . فإن قال قائل : وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرمات معها بهذه الآية غفرانه إذا أكل منها ؟ قيل : ما : حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي ، قال : ثنا محمد بن القاسم الأسدي ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن أبي واقد الليثي ، قال : قلنا يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة ، فما يصلح لنا من الميتة ؟ الاضطرار قال : " إذا لم تصطبحوا ، أو تغتبقوا ، أو تحتفؤا بقلا ، فشأنكم بها " حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، عن الخصيب بن زيد التميمي ، قال : ثنا الحسن : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إلى متى يحل لي الحرام ؟ الاضطرار قال : فقال : " إلى أن يروي أهلك من اللبن ، أو تجيء ميرتهم " . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا خصيب بن زيد التميمي ، قال : ثنا الحسن : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله ، إلا أنه قال : " أو تحيا ميرتهم " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عروة بن الزبير ، عمن حدثه : أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يحل لك الطيبات ، ويحرم عليك الخبائث ، إلا أن تفتقر إلى طعام لك فتأكل منه حتى تستغنى عنه " الاضطرار ، فقال الرجل : وما فقري الذي يحل لي ، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وإذا كنت ترجو نتاجا فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك ، أو كنت ترجو غنى تطلبه . فتبلغ من ذلك شيئا ، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغنى عنه " فقال الإعرابي . ما غناي الذي أدعه إذا وجدته ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أرويت أهلك غبوقا من الليل فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك ، فإنه ميسور كله ، ليس فيه حرام " حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، قال : وجدت عند الحسن كتاب سمرة ، فقرأته عليه ، وكان فيه : ويجزي من الاضطرار غبوق أو صبوح . حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي ، قالا : ثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن عون ، قال : قرأت في كتاب سمرة بن جندب : يكفي من الاضطرار أو من الضرورة غبوق أو صبوح . حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو كريب ، قالا : ثنا عبد الله بن إدريس ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : إذا اضطر الاضطرار الرجل إلى الميتة أكل منها قوته ؛ يعني : مسكته . حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا ابن مبارك ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : قال رجل : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بأرض مخمصة ، فما يحل لنا من الميتة ؟ ومتى تحل لنا الميتة ؟ الاضطرار قال : " إذا لم تصطبحوا أو تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها " حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، عن رجل قد سمي لنا ، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نكون بأرض مخمصة ، فمتى تحل لنا الميتة ؟ الاضطرار قال : " إذا لم تغتبقوا ولم تصبحوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها " قال أبو جعفر : يروى هذا على أربعة أوجه : " تحتفئوا " بالهمزة ، " وتحتفيوا " بتخفيف الياء والحاء ، " وتحتفوا " بتشديد الفاء ،